The Holy See
back up
Search
riga

سينودس الأساقفة
الجمعيَّة العامَّة الثانية عشرة العاديَّة

كلام الله
في حياة الكنيسة ورسالتها
- الخطوط العريضة -

الفهرس

توطئة
مقدِّمة لماذا سينودس حول كلام الله؟
أسئلة
الفصل الأوَّل: الوحي، كلام الله، الكنيسة
المبادرة تأتي من عند الله، ويتجلّى الوحي على أنَّه كلام الله
الإنسان يحتاج إلى الوحي
كلام الله يتداخل مع تاريخ الإنسان ويوجِّه طريقه
يسوع المسيح هو كلمة الله المتجسِّد وملء الوحي
كلمة الله تشبه سمفونيَّة
إيمان الإنسان يتوافق مع كلام الله
مريم هي مثال المؤمن في تقبُّل الكلمة
كلام الله المسلَّم إلى الكنيسة، ينتقل إلى جميع الأجيال
التقليد والكتاب هما في الكنيسة المستودع المقدَّس لكلام الله
الكتاب المقدَّس هو كلام الله الموحى
تفسير كلام الله في الكنيسة، مهمَّة ضرورية ودقيقة
العهد القديم والعهد الجديد هما تدبير خلاصيّ وحيد
أسئلة
الفصل الثاني
كلام الله في حياة الكنيسة
الكنيسة تولَد من كلام الله وتحيا به
كلام الله يساند الكنيسة على مدِّ تاريخها
كلام الله يلج، بقوَّة الروح القدس، كلَّ حياة الكنيسة وينعشها
الكنيسة تغتذي من كلام الله بطرق مختلفة
أ‌- في الليتورجيّا وفي الصلاة
ب‌- في الأنجلة وفي الفقاهة
ت‌- في التأويل وفي اللاهوت
ث‌- في حياة المؤمن
أسئلة
الفصل الثالث
كلام الله في رسالة الكنيسة
تقوم رسالة الكنيسة في إعلان المسيح كلمة الله الذي صار بشرًا
كلام الله يكون في متناول الجميع وفي كلِّ زمان
كلام الله هو نعمة المشاركة بين المسيحيّين
كلام الله نور في الحوار بين الديانات.
أ‌- مع الشعب اليهوديّ
ب‌- مع سائر الديانات
كلام الله ضمير الحضارات المعاصرة
كلام الله وتاريخ البشر
أسئلة

خاتمة
تساؤلات


التوطئة

"حيٌّ هو كلام الله وفاعل، أمضى من كلِّ سيف له حدّان، ينفذ في الأعماق إلى ما بين النفس والروح والمفاصل وفخاخ العظام، ويحكم على خواطر القلب وأفكاره" (عب 4: 12).

إنَّ تاريخ الخلاص كلَّه يبيِّن أنَّ كلام الله حيّ؛ فالذي يبادر ويتجلّى هو الله، ينبوع الحياة (لو 20: 38). وهذا الكلام يتوجَّه إلى الإنسان الذي هو عمل يديه (أي 10: 3)، والذي خُلق حقًّا لكي يقدر أن يتجاوب معه، فيدخل في حوار مع خالقه. لهذا، فكلام الله يرافق الإنسان منذ الخلق حتّى نهاية حجّه على الأرض. وقد تجلّى في أشكال عديدة، فأدرك ذروته في سرِّ التجسُّد ، بفعل الروح القدس، حين "الكلمة صار بشرًا" (يو 1: 14)، إلهًا لدى الله، يسوع المسيح الذي مات وقام، وهو "الحيّ" (رؤ 1: 18)، ذاك الذي عنده كلام الحياة الأبديَّة (يو 6: 68).

كلام الله أمضى (من كلِّ سيف)، ينير حياة الإنسان، ويدلُّه على الطريق الواجب اتّباعه، ولا سيَّما عبر الوصايا العشر (خر 20: 1-26) التي أجملها يسوع في وصيَّة المحبَّة تجاه الله وتجاه القريب (مت 22: 37-40). والتطويبات (لو 6: 20-26) هي مثال الحياة المسيحيَّة المعاشة في الإصغاء إلى كلام الله الذي يتحرّى عواطف القلوب، ويوجِّهها نحو الخير، وينقّيها من كلِّ ما هو شرّ. وإذ يهب الله ذاته للإنسان الخاطئ، مع أنَّه مدعو إلى القداسة، فهو يحثُّه على تبديل سلوكه السيّئ؛ قال: "توبوا عن سوء سلوككم، واحفظوا وصاياي وشرائعي، بحسب كلِّ الشريعة التي فرضتُ على آبائكم، والتي وهبتُها لهم بواسطة خدمة عبيدي الأنبياء" (2مل 17: 13). وفي الإنجيل، أطلق الربُّ يسوع أيضًا النداء: "توبوا فقد اقترب ملكوت السماوات" (مت 3: 2)؛ فكلام الله، بنعمة الروح القدس، يلامس قلب الخاطئ التائب، ويقوده من جديد إلى المشاركة مع الله في كنيسته. واهتداء الخاطئ هو علَّة فرح كبير في السماوات (لو 15: 7). فباسم الربِّ القائم من الموت، تواصل الكنيسة رسالتها في الكرازة بـ"غفران الخطايا... لجميع الأمم" (لو 24: 47). وإذ تكون خاضعة لكلام الله، تنطلق هي أيضًا في طريق التواضع والتوبة، لكي تكون دومًا أكثر أمانة ليسوع المسيح، عريسها وربِّها، وتعلن البشرى بمزيد من القوَّة والصدق.

كلام الله فاعل؛ هذا ما تبرهن عنه الأخبار الشخصيَّة، في حياة الآباء والأنبياء، كما في أخبار الشعب المختار في العهد القديم وفي العهد الجديد. وبطريقة فريدة ، يشهد على ذلك يسوع المسيح، كلمة الله، الذي صار بشرًا، "فأتى وسكن بيننا" (يو 1: 14). وهو يواصل عمله، فيعلن ملكوت الله ويشفي المرضى (لو 9: 2) عبر كنيسته، وهي تحقِّق عمل الخلاص بواسطة الكلمة والأسرار، ولا سيَّماسرّ الإفخارستيّا، الينبوع والذروة في حياة الكنيسة ورسالتها، إذ في الكنيسة تصبح كلمات التقديس بنعمة الروح القدس فاعلة، فتحوِّل الخبز إلى الجسد والخمر إلى دم ربِّنا يسوع (مت 26: 26-28؛ مر 14: 22-23؛ لو 22: 19-20). لهذا، فكلام الله هو ينبوع المشاركة بين الإنسان والله، وبين البشر الذين يحبُّهم الربّ.

والرباط الوثيق بين الإفخارستيّا وكلام الله، قد وجّه أيضًا اختيار موضوع الجمعيَّة العامَّة العاديَّة لسينودس الأساقفة القريبة، فثُبِّتَت الرغبة التي كانت حاضرة منذ زمن بعيد، بتكريس التفكير في كلام الله في إطار السينودس. وهكذا، بعد سينودس الأساقفة حول الإفخارستيّا، الينبوع والذروة في حياة الكنيسة ورسالتها، الذي انعقد من 2 حتى 23 تشرين الأوَّل سنة 2005، بدا منطقيًّا أن نركِّز الانتباه على كلام الله في حياة الكنيسة ورسالتها، فنعمِّق في ما بعد معنى المذبح الواحد للخبز والكلمة. وهذا الموضوع يعكس الرغبة الأولى لدى الكنائس الخاصَّة، كما عبَّر عنها رعاتُها الأساقفة. فاختيار موضوع اللقاء السينودسيّ القريب قد حُدِّد جماعيًّا. وبحسب الممارسة المختبَرة، كلَّف قداسة البابا بنديكتوس السادس عشر أمانة السرّ العامَّة لسينودس الأساقفة بأن تستشير في هذا المجال جميع الأساقفة في الكنيسة الكاثوليكيَّة. وصلت الأجوبة من الكنائس الشرقيَّة الكاثوليكيَّة ذات الحقّ الخاصّ، ومن المجالس الأسقفيَّة، ومن مؤسَّسات الكوريا الرومانيَّة، واتِّحاد الرؤساء العامّين، فاتَّضح أنَّ الموضوع المفضَّل هو كلام الله، مع تنويهات مختلفة، وتنوُّع كبير من الوجهات. وقد حُلِّلت الموادّ الوفيرة خلال الجلسة الحادية عشرة العاديَّة للأمانة العامَّة لسينودس الأساقفة، الذي يمثِّل الجماعة كلَّها في شكل من الأشكال. فقد اختير اثنا عشر عضوًا بواسطة زملائهم خلال الجلسة الحادية عشره العامَّة العاديَّة لسينودس الأساقفة. وبحسب ما يلحظ ترتيب سينودس الأساقفة، سمّى قداسة البابا بنديكتوس السادس عشر ثلاثة أعضاء من المجلس. جُمعت نتائج المناقشة الخصبة في المجلس العاديّ في ثلاثة موضوعات أخضعتها الأمانة العامَّة في ما بعد لقرار الحبر الأعظم.

والموضوع الذي اختاره الأب الأقدس، رئيس سينودس الأساقفة، نُشر في 6 تشرين الأوَّل سنة 2006. بعد ذلك، انكبَّ المجلس العاديّ للأمانة العامَّة على العمل من أجل تهيئة الخطوط العريضة، وهي وثيقة تتوخّى أن تقدِّم بإيجاز "وَضْعَ المسألة"( Status quaestionis) حول الطرح الهامّ لكلام الله، وأن تبيِّن الوجهات الإيجابيَّة في حياة الكنيسة ورسالتها، دون إخفاء بعض الوجهات التي تكوِّن مشكلة، أو أقلَّه تحتاج أن تُعَمَّق من أجل خير الكنيسة وحياتها في العالم. من أجل هذا تعود الخطوط العريضة مرارًا إلى الدستور العقائديّ في الوحي الإلهيّ، كلام الله، وتتبع بشكل خاصّ المقاربة التي اختارها آباء المجمع، والتي تقوم في موقف الإصغاء الدينيّ لكلام الله، لكي تستطيع، في ما بعد، أن تعلنه بجرأة (كلام الله، 1)، وإعادة قراءة كلام الله في إطار رعائيّ، ترافقه إعلانات متتالية من قبل السلطة التعليميَّة في الكنيسة، التي تهتمّ بتفسير وديعة الإيمان المقدَّسة، التي يتضمَّنها التقليد والكتاب المقدس، تفسيرًا صحيحًا.

وإذ أرادت الوثيقة أن تسهِّل التفكير في الموضوع ومناقشته على مستوى الكنيسة، أرفقته بجملة أسئلة مفصَّلة وعائدة إلى الطروحات التي تعالجها الفصولُ المختلفة. فجميع المؤسَّسات المجمعيَّة التي سُمِّيت سابقًا، قد طُلب منها أن تودع أجوبتها على هذه الأسئلة قبل شهر تشرين الثاني سنة 2007. ويستعين المجلس العاديّ بخبراء أخصّائيّين عديدين، فيدرس الوثائق، ويرتِّب المواضيع في وثيقة ثانية تدعى ورقة عمل، تُتَّخذ كجدول لأعمال الجمعيَّة العامَّة العاديَة الثانية عشرة لسينودس الأساقفة، التي تنعقد، إن شاء الله، من 5 إلى 26 تشرين الأوَّل 2008.

منذ البدايات، عاشت الكنيسة من كلام الله؛ ففي المسيح، الكلمة المتجسِّد بفعل الروح القدس، الكنيسة هي "مثل سرّ أو، إذا شئنا، علامة ووسيلة لتحقيق الاتِّحاد الحميم مع الله، ووحدة الجنس البشريّ كلّه" (نور الأمم، 1). وكلام الله هو أيضًا المحرِّك الذي لا ينفد لرسالة الكنيسة لدى القريبين كما لدى البعيدين. وإذ تخضع الكنيسة لتفويض الربِّ يسوع، وتجعل ثقتها في قوَّة الروح القدس، تكون في وضع من الرسالة متواصل (مت 28: 19).

وإذ يتبع السينودس مثال الطوباويَّة مريم العذراء، خادمة الربّ الوضيعة، يسعى لمساعدتنا على اكتشاف إعجابيّ لكلام الله، الذي هو حيّ وأمضى من السيف وفاعل، في قلب الكنيسة، وفي ليتورجيَّتها والصلاة، في الأنجلة والفقاهة، في التأويل واللاهوت، في الحياة الفرديَّة والجماعيَّة، كما في ثقافات البشر التي ينقّيها الإنجيل ويغنيها. وحين يتيح المسيحيّون لكلام الله بأن يوقظهم، يستطيعون أن يجيبوا كلّ من يسألهم حجَّة عن رجائهم (1بط 3: 15)، فيحبّون القريب، "لا بالكلام واللسان، بل بالعمل والحقّ" (1يو 3: 18). وإذ يتمّ البشرُ الأعمال الصالحة يضيء نورهم أمام الناس، نورٌ هو انعكاس مجد الله، وجميعهم يسبّحون أبانا الذي في السماوات (مت 5: 16). وهكذا تشعُّ كلمة الله على كلِّ حياة الكنيسة، فيبدو حضورها في المجتمع خميرة عالم أكثر عدالة وأمانًا، حيث لا يسود أيُّ نوع من العنف، عالم منفتح على بناء حضارة المحبَّة.

"كلام الربّ يثبت إلى الأبد. هذا هو الكلام الذي حمله الإنجيل إليكم" (1بط 1: 25). وهكذا صار التفكير في السينودس صلاة متواضعة لكي ينير الاكتشاف الجديد لكلام الله إنارةً أفضل طريقَ الإنسان في الكنيسة وفي المجتمع، على مدِّ مسيرة التاريخ بما فيها من التواء، وهو ينتظر واثقًا "سماوات جديدة وأرضًا جديدة [...] يسكن فيها البرّ" (2بط 3: 13).

نيكولا إِتِيرُوفِيتْش

رئيس أساقفة سِيساك

الأمين العام

حاضرة الفاتيكان، 25 آذار 2007


المقدِّمة

لماذا سينودس حول كلام الله

"الذي كان من البدء، الذي سمعناه بآذاننا، ورأيناه بعيوننا، الذي تأمَّلناه، ولمسته أيدينا من كلمة الحياة، والحياة تجلَّت فرأيناها، والآن نشهد لها ونبشِّر بالحياة الأبديَّة التي كانت عند الآب وتجلَّت لنا، الذي رأيناه وسمعناه نبشِّركم به لتكونوا أنتم أيضًا شركاءنا، كما نحن شركاء الآب وابنه يسوع المسيح. نكتب إليكم بهذا ليكون فرحنا كاملاً" (1يو 1: 1-4).

1- في البدء كان الكلمة (يو 1: 1). "كلمة الله تثبت إلى الأبد" (أش 40: 8). فكلام الله يفتتح التاريخ مع خلق الكون والإنسان: "قال الله" (تك 1: 3، 6ي)، ويُعلن جوهره مع تجسُّد الابن يسوع المسيح. "والكلمة صار بشرًا" (يو 1: 14)، ويكمِّله مع وعد أكيد باللقاء معه في حياة لا نهاية لها. "أجل، أنا أعود قريبًا" (رؤ 22: 20).

ذاك هو اليقين السامي الذي يريد الله ذاته، في حبِّه اللامحدود، أن يعطيه للإنسان في كلِّ الأزمنة، فيجعل من شعبه شاهدًا له. ذاك هو السرّ العظيم للكلمة على أنَّها موهبة الله السامية التي يريد السينودس أن يعبدها ويشكرها ويتأمَّلها ويعلنها للكنيسة وللبشر جميعًا.

2- دلَّ الإنسان المعاصر، وبطُرُق متعدِّدة، أنَّه يحتاج احتياجًا كبيرًا إلى الإصغاء إلى الله وإلى التكلُّم معه. ويحسُّ المسيحيّون اليوم توقًا حارًّا للمضي إلى كلام الله على أنَّه ينبوع حياة، ونعمة لقاء الإنسان بالربّ.

لهذا لا ندهش حين يجيب الله على مثل هذا الانفتاح لدى الإنسان؛ فالله اللامنظور، والذي "يتوجَّه إلى البشر كما إلى أحبّاء، ويتحدَّث معهم ليدعوهم إلى الدخول في شركة معه، ويتقبَّلهم في هذه الشركة[1]، هذا الوحي السخيّ من لدن الله هو حدث مستمرّ للنعمة.

ونحن نرى في كلِّ هذا عمل الروح القدس، الذي، بالكلمة، يسعى إلى أن يجرِّد حياة الكنيسة ورسالتها، فيدعوها إلى اهتداء متواصل، ويرسلها تعلن الإنجيل لجميع البشر "لتكون لهم الحياة وتكون وافرة" (يو 10: 10).

3- يتركَّز كلامُ الله في شخص المسيح الربّ، وقد جعلت الكنيسة من سرِّ الكلمة خبرة وتفكيرًا ثابتَين على مدِّ الأجيال. "ماذا تظنُّون أن يكون الكتاب إلاّ كلام الله؟ لا شكَّ في أنَّها عديدة الأقوال التي كتبتها يدُ الأنبياء، أمّا كلمة الله فهو فريد، وهو الذييُجمِل الكتاب المقدَّس كلَّه. فهذا الكلمة (يسوع) الفريد قد تصوّره المؤمنون زرعَ الله وعريسَهم الشرعيّ، بفم خصبٍ حين ولدوه وسلَّموه إلى إشارات، هي حروف الكتابة، لكي يوصلوه إلينا"[2].

مع الدستور العقائديّ في الوحي الإلهيّ، كلمة الله، أوجز المجمع الفاتيكانيّ الثاني التعليم الرسميّ للكنيسة حول كلام الله، فعرض العقيدة وبيَّن ممارستها؛ فالكلمة تدفعنا لنحقِّق طريقًا طويلاً من النضوج والتعمُّق على إيقاع ثلاث رسائل رعائيَّة: عناية الله لِلاوون الثالث عشر، الروح البارقليط لِبنديكتوس الخامس عشر، وبفيض من الروح القدس لِبِيّوس الثاني عشر[3]، طريقًا اغتنى بتأويل ولاهوت متجدِّدَين، بخبرة المؤمنين الروحيَّة، وقد ذكّر به بشكل مناسب سينودسُ الأساقفة سنة 1985[4] وتعليمُ الكنيسة الكاثوليكيَّة. بعد المجمع، شجَّعت السلطة التعليميَّة العامَّة والخاصَّة في الكنيسة بإلحاح، اللقاء مع الكلمة، وهي مقتنعة بأنَّ هذه الكلمة "تحمل للكنيسة [...] ربيعًا روحيًّا جديدًا".[5]

إذًا، تحدَّد موقع الجمعيَّة السينودسيَّة في النفحة الكبيرة للكلمة التي يوجِّهها الله إلى شعبه، في رباط وثيق مع سينودوسات الأساقفة (1965-2006)، إذ تذكِّر بأساس الإيمان عينه، وتتوخّى في زماننا أن تجعل ملموسةً شهاداتُ اللقاء مع الكلمة التي نجدها في عالم البيبليا (يش 24؛ نح 8؛ أع 2) وعلى مدِّ تاريخ الكنيسة.

4 - وفي شكل أخصّ، يسعى هذا السينودس، وفي تواصل مع السينودس السابق، أن يُبرز العلاقة الباطنة بين الإفخارستيّا وكلام الله، إذ إنَّ الكنيسة "لا تني تأخذ خبز الحياة [الواحد] من مائدة كلام الله كما من مائدة جسد المسيح"[6]. ذاك هو الباعث العميق، وفي الوقت عينه، الهدف الأوَّل للسينودس: ملء لقاء كلام الله في الربِّ يسوع، الحاضر في الكتاب المقدَّس وفي الإفخارستيّا. وقد أكَّد القدّيس إيرونيموس: "جسد الربّ طعام حقيقيّ، ودمه شراب حقيقيّ: ذاك هو الخير الحقيقيّ الذي حُفظ لنا في هذه الدنيا: التغذّي من جسده وشرْبُ دمه، لا في الإفخارستيّا فحسب، بل في قراءة الكتب المقدَّسة أيضًا. فكلام الله الذي نستقيه من معرفة الكتب المقدَّسة هو طعام حقيقيّ وشراب حقيقيّ".[7]

ولكن قبل الشروع في ذلك، ينبغي أن نتساءل، وبعد أربعين سنة على المجمع الفاتيكانيّ الثاني: أيَّ ثمار أعطى الدستور العقائدي كلام الله في جماعاتنا، وكيف قبلناها حقًّا؟ بالنسبة إلى كلام الله، لا شكَّ في أنّ نتائج إيجابيَّة عديدة قد تحقَّقت في شعب الله. ذاك وضع التجديد البيبليّ في إطار الليتورجيّا، واللاهوت، والفقاهة، أو أيضًا في إطار نشر الكتب المقدَّسة واستعمالها في الرسالة البيبليَّة واندفاع الجماعات والحركات الكنسيَّة، وأخيرًا في إطار التوفّر المُطَّرِد لوسائل الاتصال المعاصر وأدواته. ولكن بقيت بعدُ وجهات أخرى مفتوحة وممشكلة. فظواهر الجهل واللاَّيَقِين في عقيدة الوحي وكلام الله أمران خطيران؛ وانفصال مسيحيّين كثيرين عن البيبليا يبقى كبيرًا، كما خطرُ استعمالٍ خاطىء لهذه الأخيرة؛ فبدون حقيقة الكلمة تصبح نسبيَّة الفكر والحياة غادرة. فنحسّ بضرورة ملحَّة أن نعرف كامل المعرفة إيمان الكنيسة حول كلام الله، وأن نوسِّع، بنُهُوج موافقة، اللقاء مع الكتاب المقدَّس بالنسبة إلى جميع المسيحيّين، وأن نأخذ بطرق جديدة يحرِّكها الروح اليوم، لكي يُعرَف كلام الله في مختلف تجلِّياته، ويُسمَع ويُحَبّ ويُعَمَّق ويُعاش في الكنيسة، بحيث يصبح كلامَ حقٍّ وقداسة من أجل جميع البشر.

5- هدف هذا السينودس رعائيّ بامتياز؛ فحين نعمِّق الأمور العقائديَّة، ونتيح لها أن تنيرنا، نسعى إلى توسيع اللقاء مع الكلمة وتثبيته، على أنَّها ينبوع حياة في مختلف أوساط الاختبار، فنطرح من أجل هذا على المسيحيّين وعلى ذوي الإرادة الصالحة، طرقًا صحيحة وعمليَّة للإصغاء إلى الله والتحدُّث معه.

وفي شكل ملموس، أحد أغراض السينودس هو العمل على توضيح الوجهات الأساسيَّة الحقيقيَّة حول الوحي، مثل كلام الله، والتقليد، والبيبليا، والسلطة التعليميَّة، التي تعلِّل طريقَ إيمانٍ مقبول وفاعل وتكفله، وتحرِّك الاحترام والحبّ العميق للكتب المقدَّسة، بحيث يكون "الاقتراب منها [...]مفتوحًا واسعًا للمسيحيّين"[8]، وتجدِّد الإصغاء إلى كلام الله في الوقت الليتورجيّ والفقاهيّ، وفي شكل خاصّ مع القراءة الربيَّة المكيَّفة بشكل صحيح مع مختلف الظروف، وتقدِّم لعالم المساكين كلام تعزية ورجاء.

وهكذا فهذا السينودس يودُّ أن يعطي لشعب الله كلمة تكون خبزًا؛ هو يتوخّى إذًا أن يدفع ممارسة فِساريَّة صائبة للكتاب المقدَّس، موجِّهًا توجيهًا صحيحًا المسيرة الضروريَّة للأَنْجَلَةِ وللمُثاقفةِ؛ ويودُّ أن يستهلّ المواجهة والحوار بين اليهود والمسيحيّين[9]، وفي شكل أوسع، الحوار بين الديانات وبين الثقافات. فالسينودس يتوخّى تحقيق هذه الأغراض، وغيرها أيضًا، في ثلاثة فصول:

- الوحي، وكلام الله، والكنيسة (الفصل الأوَّل)
- كلام الله في حياة الكنيسة (الفصل الثاني)
- كلام الله في رسالة الكنيسة (الفصل الثالث)

سيساعد هذا على توحيد الزمن المؤسَّس والزمن الذي يعمل فيه كلام الله في الكنيسة.

إذًا، لا تتوخّى هذه الخطوط العريضة أن تقدِّم مجموع البواعث وتطبيقات اللقاء مع كلام الله، بل أن تشير، على ضوء المجمع الفاتيكانيّ الثاني، إلى الجوهريَّة منها، فتبرز في الوقت عينه المعطى العقائدي والاختبار العمليّ، وتدعو إلى الإسهام لاحقًا مع إرفادات خاصَّة.

أسئلة حول المقدِّمة

1- ما هي "علامات الأزمنة" في بلدكم، التي تجعل هذا السينودس حول كلام الله أمرًا ملحًّا؟
2- أيّ علاقة نجد بين السينودس السابق حول الإفخارستيا وهذا السينودس حول كلام الله؟
3- هل هناك تقاليد خبرةٍ بيبليَّة في كنيستكم المحلِّيَّة؟ ما هي؟ هل هناك فِرَقٌ بيبليَّة؟ من أيِّ نمط هي؟


الفصل الأوَّل

الوحي، وكلام الله، والكنيسة

"كلَّم الله آباءنا من قديم الزمان بلسان الأنبياء مرّات كثيرة وبمختلف الوسائل، وفي الأيّام الأخيرة كلَّمنا بابنه الذي جعله وارثًا لكلِّ شيء، وبه خلق العالم" (عب 1: 1-2).

المبادرة تأتي من الله، والوحي الإلهيّ يتجلّى على أنَّه كلام الله

6- "سُرَّ الله في لطفه وحكمته أن يكشف عن نفسه، وأن يعرِّف سرَّ مشيئته"[10]. تجاه خطر به نسجن سرَّ الله في بُنًى محض بشريَّة، وفي علاقة باردة وكيفيَّة، قدَّم المجمع الفاتيكانيّ الثاني، في الدستور العقائدي كلام الله، مجمل إيمان الكنيسة، وهو إيمان عمره أجيال عديدة، عارضًا الخطوط الرئيسيَّة لتفكير صحيح. يتجلّى الله بشكل مجّانيّ وموجَّه من أجل إقامة علاقة بَيْشخصيَّة من الحقيقة والحبِّ مع الإنسان والكون اللذين خلق. هو يكشف عن ذاته في الواقع المنظور للكون والتاريخ "بأقوال وأعمال [...] مرتبطة في ما بينها ارتباطًا وثيقًا"[11]، وبيَّن هكذا "تدبيرَ الوحي"، أي مشروعًا يتوخّى خلاصَ الإنسان ومعه الخليقة كلّها. وهكذا تنكشف أمام عيوننا، دفعةً واحدة، الحقيقةُ حول الإله الواحد والثالوث، والحقيقة حول الإنسان الذي يحبُّه الله، ويتوخّى أن يجعله سعيدًا، والحقيقة التي تستقي عظم بهائها من يسوع المسيح الذي "هو وسيط الوحي كلِّه وملؤه"[12].

وعلاقة الاتِّصال المجّانيّ هذه، التي تفترض مشاركة عميقة، قياسًا مع الاتِّصال على مستوى البشر، يدعوها الله ذاته، كلامَه، "كلام الله". لهذا ينبغي أن تُفهم فهمًا جذريًّا على أنَّها فعل شخصيّ من الإله الواحد والثالوث، الذي يحبّ، وبالتالي يتكلَّم، والذي يتكلَّم مع الإنسان لكي يعرف هذا الأخير هذا الحبّ ويتجاوب معه[13]. هذا ما تثبته قراءة متنبِّهة للبيبليا، من سفر التكوين إلى سفر الرؤيا. وحين يُقرأ كلام الله، وبخاصَّة يُعلَن، كما هو الأمر بالنسبة إلى الإفخارستيّا، "الذي هو السرّ السرّ"[14]، وفي سائر الأسرار، يدعونا الربُّ ذاته لكي "نحقِّق" حدثًا بَيْشخصيًّا، فريدًا وعميقًا، من التشارك بينه وبيننا، وبيننا جميعًا؛ فكلام الله فاعل، ويحقِّق ما يقول (عب 4: 12).

الإنسان بحاجة إلى الوحي

7- يستطيع الإنسان أن يعرف الله انطلاقًا من وسائل منحه الله إيّاها (روم 1: 20)، خصوصًا عالم الخليقة (كتاب الطبيعة). ومع ذلك، وفي الظروف التي يجد نفسه فيها، بفعل الخطيئة، صارت هذه المعرفة غامضة ولاأكيدة، وينكرها العديدون. غير أنَّ الله لا يتخلّى عن خليقته، فيُدخل فيها، وإن لم يُعرَف ذلك دومًا، رغبةً في النور والخلاص والسلام. وهذه الرغبة ما زالت حاضرة عبر إعلان الإنجيل في العالم كلِّه، فتُنتج قيمًا دينيَّة وثقافيَّة تساعد عددًا كبيرًا من الناس على مسيرة البحث عن إله يسوع المسيح.

وفي حياة شعب الله عينها، ندرك توقًا حادًّا وحاجة إلى تذوُّق إيمان نقيّ وجميل، فننـزع حجاب الجهل واللُبس والحذر في ما يتعلّق بالله وبالإنسان، بحيث نميِّز ونقوّي انتصارات التقدُّم الكثيرة في حقيقة الله. إذًا، نستطيع أن نتكلَّم عن حاجة عميقة ومنتشرة تفعل فعل نداء، فتفتح بشكل وجوديّ على حقيقة الوحي الذي حقَّقه الله ذاته من أجل خير البشريَّة، أي الإصغاء إلى كلمته. فالاهتمام بها يشكّل أساس أغراض السينودس من أجل تردّدات في العمل الرعائيّ، إذ يُبرز صحَّة مسيرة الأنجلة الجديدة ويشجِّعها، ويتيح لنا في الوقت نفسه أن ندرك تعليمات ثمينة من أجل الحوار المسكونيّ بين الديانات وبين الثقافات.

كلام الله يتناسج مع تاريخ الإنسان ويوجِّه طريقه

8- في بعض الثقافات، يحسُّ الإنسان المعاصر أنَّه صانع تاريخ، وبالتالي سيِّده، فيستصعب أن يقبل بتدخُّل أحد في عالمه، دون حوار معه وإعطاء أسباب حضوره. وقد يُوجَد مثلُ هذا الموقف تجاه الله، في شكل مخطئ غالبًا، فيتميَّز في كلِّ حال بالشك. غير أنَّ الله الذي لا يقدر أن يُسكت حقيقة كلامه، يطمئن الإنسان أنَّه دومًا أمام كلام صديق، من أجل خيره، في احترام حرِّيَّته، ولكنَّه يطلب منه في الوقت عينه أن يصغي إلى هذا الكلام بصدق، وأن يتأمَّله. فينبغي على كلام الله أن "يظهر مثل انفتاح على تساؤلات [الإنسان]، وجوابًا على أسئلته، وتوسيعًا لقيمه، وفي الوقت عينه، إرضاء لأعمق توق فيه"[15]. وعلى ضوء الدستور العقائديكلام الله أيضًا نعرف أنَّ كلمته، التي تفوَّه بها الله، تسبق كلَّ مبادرة وكلام بشريَّين، تتوخّى أن تفتح للإنسان آفاقًا لامنتظرة من الحقيقة والمدلول، كما تشهد على ذلك نصوص تك 1؛ يو 1؛ 1ي؛ عب 1: 1؛ رو 1: 19-20؛ غل 4: 4؛ كو 1: 15-17. وأكَّد القديس غريغوار الكبير: "حين تتنازل الكتب المقدَّسة وتستعمل كلماتنا الضعيفة، فلكي تصعدنا بلطف، درجةً درجة، ممّا نراه قريبًا منّا إلى تساميه"[16].

منذ البدايات، أراد الله أن "يفتح طريق الخلاص الأبديّ"[17]. وعلى ضوء الكتاب المقدَّس، أُعطيَ لنا أن نتعلَّم كيف بدأت كلمتُه القديرة حوارًا حيًّا، دراماتيكيًّا في بعض الأحيان، ولكنّه في النهاية منتصرًا، مع البشريَّة منذ بداياتها، ثمَّ في تاريخ شعبه، إسرائيل، وصولاً إلى الوحي السامي في تاريخ يسوع المسيح، كلمته الأبديَّة المتجسِّدة (يو 1: 14). وقد أنشد أفرام: "عند ذاك شاهدتُ الكلمة الخالق وقابلته بالصخر السائر مع الشعب في وسط البرّيَّة. ما جمع في ذاته مياهًا ولا خزّن، ومع ذلك صبّ على الشعب سيولاً عجيبة. لا مياه فيه، ولكن منه تفجّرت محيطات البحار. فمن لا شيء خلق الكلمةُ صنائعَه. طوبى لمن يستحقّ أن يرث فردوسك! صوَّر موسى في كتابه خلق الطبيعة كلِّها لكي تشهد للخالق الطبيعةُ والكتاب؛ الطبيعة بالاستعمال، والكتاب بالقراءة: هذان هما شاهدان ينتشران في كلِّ مكان، ويُوجَدان في كلِّ زمان، ويحضران في كلِّ ساعة، فيبيِّنان للكافر نكرانه لجهل خالقه[18].

ولهذه النظرة إلى كلام الله وقعٌ قويٌّ في العمل الرعائيّ؛ فهي تُناسِج تاريخه وتاريخ البشر، وتجعل نفسها تاريخَ البشر، بحيث إنَّ تاريخنا البشريّ لا يتألَّف فقط من أفكار وأقوال ومبادرات بشريَّة. هي تُبرز آثارًا حيَّة في الطبيعة وفي الثقافة، وتنير علوم الإنسان لتأخذ قيمتها الصحيحة، وتساعد أيضًا بواسطة هذه العلوم أن توضح هويَّتها الخاصَّة، وأن تجعل الإنسانيَّةَ الأصيلةَ التي هي إنسانيَّتُها تُشعّ. وفي شكل أخصّ، هي كلمة اختارت لنفسها شعبًا لتقاسمه طريق الحرّيَّة والخلاص، إذ تبرز جدِّيَّة الله الثابتة والصابرة: أن يكون "عمانوئيل" (أش 7: 14)، "إلهنا معنا" (أش 8: 10؛ رج رو 8: 31؛ رؤ 21: 3)، هذا يتيح لنا أن نفهم كيف أنَّ الكلمة، وبفضل شهادة البيبليا، وجدت صدى في أفكار الإنسان وتعابيره على مدِّ الأجيال، وبعض المرّات في شكل التواءٍ ومُعاناة، في أصوات التاريخ المعتَّمة، فتخرج نتائج خارقة تتجلّى عبر القدّيسين بشكل مُبلبِل. فحين عاش هؤلاء القدّيسون كاريسماتهم الخاصَّة كموهبة من الروح القدس، بيّنوا الإمكانات الهائلة والأصيلة في كلام الله حين تُؤخَذ بجدِّيَّة.

ويهمُّنا اليوم بشكل خاصّ أن نساعد على فهم العلاقة الصحيحة بين الوحي العلنيّ الذي يشكِّل قانون الإيمان المسيحيّ، والإيحاءات الخاصَّة، فنميِّز كيف تكون هذه الحقائق ملائمة للإيمان الأصيل.

يسوع المسيح هو كلمة الله المتجسِّد، ملءُ الوحي

9- "كلَّم الله آباءنا من قديم الزمان بلسان الأنبياء مرّات كثيرة بمختلف الوسائل، وفي هذه الأيّام الأخيرة كلَّمنا بابنه" (عب 1: 1ي). يتوصَّل المسيحيّون في شكل عام إلى أن يُدركوا الطابع المركزيّ لشخص يسوع المسيح في وحي الله. ولكنَّهم لا يعرفون دومًا أسباب هذه الأهمِّيَّة، ولا يفهمون كيف أنَّ يسوع هو في قلب كلام الله؛ لهذا، ففي قراءة البيبليا أيضًا يصادفون صعوبات في قراءة هذا الوحي من منظار مسيحيّ.

فينبغي دومًا على ضوء الدستور العقائديكلام الله، أن نتذكَّر أنَّ الله أراد مبادرة لامتوقَّعة كلِّيًّا، ومع ذلك محقَّقة: "أرسل ابنه، أي الكلمة الأزلي¡