![]() |
![]() |
|
|
سينودس الأساقفة الجمعية الخاصة الثانية من أجل أفريقيا الكنيسة في أفريقيا
"أنتم ملح الأرض... أنتم نور العالم" (متى 5/13 و14)
الخطوط العريضة
حاضرة الفاتيكان تمهيد
أنقضى اثنا عشر عاماً على الاحتفال بالجمعية الأولى الخاصة لسينودس الأساقفة من أجل أفريقيا (من 10 أبريل إلى 8 مايو 1994) والتي كان موضوعها: «الكنيسة في أفريقيا ورسالتها للبشارة نحو عام 2000: "تكونون لي شهوداً" (أع 1/8)». في 6 يناير 1989، كان خادم الله يوحنا بولس الثاني قد أعرب عن نيته في دعوة هذا المؤتمر الكنسي الهام، ليعطي هكذا فترة زمنية كافية لتحضير هذه الجمعية. قُوبلت المبادرة بالحماس، وحركت فكرة هذه الجمعية الأولى الخاصة من أجل أفريقيا كل أعضاء الكنيسة الكاثوليكية في أفريقيا، منتظمين في إيبارشيات ورعايا وحركات كنسية. أسترعى هذا الأمر انتباه أعضاء كنائس وجماعات كنسية أخرى، بل وحتى ممثلي ديانات غير مسيحية، وبصفة عامة أيضاً، أُناس من ذوي الإرادة الصالحة من كل القارة الأفريقية. جدير بالذكر أن نتائج مبادرة السينودس، منذ التحضير له وحتى الاحتفال به، من صلوات وتبادل معلومات، ومشاركة الأفراح والآلام المتعلقة بالأوضاع الكنسية والثقافية والاجتماعية والسياسية، والأفكار التي تعمقت حول كل من الموضوعات – التي دارت في أجواء من الشركة الكنسيّة الخالصة، الخاصة بالهيئة الأسقفيّة، التي يترأسها أسقف روما بصفته رئيساً للسينودس والراعي العام للكنيسة – كل هذه النتائج قد جمعها الإرشاد الرسولي الكنيسة في أفريقيا. إن هذه الوثيقة، التي تم إعلانها يوم 14 سبتمبر 1995، قد وجهت النشاط الرعوي للكنيسة الكاثوليكية في أفريقيا خلال العقد الماضي. وبناءً على رغبة الكثيرين من الأساقفة والكهنة والمكرسين والمؤمنين العلمانيين، أعلن قداسة البابا يوحنا بولس الثاني، يوم 13 نوفمبر 2004، عن نيته عقد جمعية ثانية خاصة للأساقفة من أجل أفريقيا. ومن بعده، أكد قداسة البابا بنديكتوس السادس عشر مشروع سلفه، يوم 22 يونيو 2005، في حضور المجلس الخاص بأفريقيا في أمانة السر العامة لسينودس الأساقفة، بإعلانه قرار دعوة الجمعية الخاصة الثانية للأساقفة من أجل أفريقيا للانعقاد في روما. بالتعاون مع المجلس السابق ذكره، حدد قداسة البابا موضوع هذه الجمعية السينودسية كالتالي: "«الكنيسة في أفريقيا في خدمة المصالحة والعدالة والسلام: "أنتم ملح الأرض ...أنتم نور العالم" (متى 5/13 و14)». يأتي هذا الموضوع في تواصل مع الجمعية الخاصة الأولى لسينودس الأساقفة من أجل أفريقيا، وسيتضمن تقييماً للنتائج التي تم التوصل إليها على كل المستويات، معطياً الأولوية، بكل تأكيد، للبعد الكنسي. ومنذ الجمعية السينودسيّة الأخيرة، تغير الوضع بطريقة ملحوظة. يتطلب هذا الواقع الجديد فحصاً خاصاً من أجل مجهود كرازي متجدد، يتطلب بدوره تعميقاً في بعض الموضوعات الخاصة والهامة لحاضر الكنيسة الكاثوليكية ومستقبلها في القارة الأفريقية الكبيرة. بفضل الله، في السنوات الأخيرة، شهدت الكنيسة الكاثوليكية – كعائلة الله الساعية في أفريقيا- تقدماً إضافياً على صعيد القارة كلها، خصوصاً في ما يتعلق بعدد المؤمنين، الذين قد بلغوا حسب إحصائيات 2004، عدداً إجمالياً هو 148817000، مع 630 إسقفاً، و31259 كاهناً، منهم 20358 كاهناً إيبارشياً و10901 كاهناً راهباً. كما يوجد 7791 أخاً علمانياً، و57475 راهبة، و379656 معلماً للتربية الدينية المسيحية. كذلك الدعوات الأفريقية الإرسالية العاملة رعوياً في كنائس خاصة في أفريقيا، أو في قارات أخرى، فقد تزايدت بطريقة ملحوظة. كذلك الأمر بالنسبة لأنشطة الكنيسة في التربية والمساعدة، فقد كانت حاسمة في العديد من البلاد التي عاشت ظروفاً طارئة حرجة. وإذ نشكر الله على هذا الوضع الكنسي الإيجابي، يتوجب أن يكون التحضير للجمعية الخاصة الثانية فرصة سانحة لكل شعب الله، تحت قيادة رعاته، لكي يكثف الصلاة، ويتعمق في التفكير الذي تتبعه المبادرات، من اجل انطلاقة أفضل نحو القداسة. في هذا كله، يقتفي شعب الله خطى الكثير من الرعاة والمؤمنين الأفارقة، الذين باستشهادهم حتى حديثاً في أيامنا، قد أكدوا إيمانهم المسيحي، مساهمين بذلك، بطريقة مثالية، في أن تصبح أفريقيا أكثر فأكثر "وطناً ليسوع المسيح". إن الإنجيل الذي أعلنوه هو الملح الحقيقي للأرض، وهو ضمانة كرازة عميقة الجذور، قادرة على الصمود في وجه كل شدّة.وهكذا، فإن البشرى السارة، التي تصاحبها شهادة خدمتهم الكنسية الصافية، تصبح نوراً للعالم، يضيء في الظلمات التي تكون أحياناً بالغة الكثافة في معظم القارة الأفريقية. بإتحاد القلب والروح مع الأب الأقدس، على آباء السينودس أن يواجهوا الوضع الحالي بالغ التعقيد وغير المؤاتي غالباً في أفريقيا، بأسلحة النور (راجع رومية 13/12)، وبالمحبة المسيحية الراسخة، وبالرجاء الذي ينعش تلاميذ الرب يسوع القائم من بين الأموات. بالإضافة إلى مصاعب البشارة التي قد تأتى من أسباب سياسية أو دينية أو اجتماعية، فهناك مشاكل خطيرة تطرح أسئلة على المسيحيين وكل الأشخاص ذوي الإرادة الصالحة. يتعلق الأمر بأوضاع الفقر، والظلم، والمرض، والاستغلال، ونقص الحوار، والانقسام، وعدم التسامح، والعنف، والإرهاب، والحرب. إن الكنيسة، في إطار أمانتها لوصية يسوع المسيح، لا تمل من إعلان البشرى السعيدة، حتى يمكنها، من خلال خدمتها الرعوية المتشعبة، أن تقدم آفاق المصالحة الكنسيّة والاجتماعية، مصالحة المسيح سلامنا، مصدر العدالة الحقيقية، للقارة الأفريقية كلها. والكرازة، وهي المهمة الأساسية التي أعطاها المعلم الإلهي (راجع متى 28/19)، لا يمكن فصلها عن التزام رجال الكنيسة بأن يكونوا "سامريين" (صالحين) للكثيرين من الإخوة والأخوات الذين يطلبون العون والشفقة (راجع لوقا 10/29-37)، وعن مساعدة الفقراء الكثيرين والمحتاجين إلى الدفء الإنساني، ليشهدوا بذلك لمحبة الله (راجع متى 25/31-46). وبإعلان الإنجيل، وبرسالة التربية في كل المستويات، وبالمؤسسات الخيرية، تصبح الكنيسة أكثر نشاطاً في تنمية الحوار والسلام والعدالة في المجتمع الأفريقي المتجدد، الذي يتقدم بحمية نحو تنمية شاملة للإنسان الأفريقي، فيكتسب بذلك المكانة اللائقة به في قلب الجماعة الدولية. ووفقاً للأسلوب الاعتيادي، يتوجب على هذه الخطوط العريضة، المنشورة في أربع لغات: الفرنسية والإنجليزية والبرتغالية والإيطالية، أن تشجع مناقشة واسعة حول موضوع السينودس، بمساعدة الأسئلة الواردة في نهاية الوثيقة. وترجع إلى كل مجلس أسقفي مهمة ترجمتها إلى اللغات المحلية، لتشجيع مشاركة جماعية أكبر في التحضير للسينودس. ويتوجب على المؤسسات المعنية بالأمر أن ترسل أجوبتها قبل نهاية شهر أكتوبر 2008، ليتسنى الوقت لصياغة "وسيلة العمل"، أي وثيقة العمل للجمعية الخاصة الثانية لسينودس الأساقفة من أجل أفريقيا، الذي نضع مسيرته الطويلة والخصبة كما نأمل، إلى رعاية أمنا مريم العذراء، سيدة أفريقيا.
نيكولا إيتروفيتش
المقدمة 1. بمرور أحد عشر عاماً على نشر الإرشاد الرسولي الذي أعقب سينودس الأساقفة الكنيسة في أفريقيا[1]، وفي غمرة الشكر لله على نعمه التي أغدقها طيلة هذا العقد، تحتفل الكنيسة بالحدث وتشعر بأهمية التزام عاجل شامل من أجل المصالحة والعدالة والسلام على سطح القارة. مجرد تذكر هذا الحدث، يبعث على السرور لما لقيه من قبول. لذلك، فأي معنى وأي مضمون يمكن إعطاؤهما لهذا التذكار، تمسكاً بكل طاقته وتنشيطاً لكل جماعاتنا من أجل الجمعية الثانية؟ يمكن بلورة مرام هذه الجمعية في هدفين:
2. في إرشاد الكنيسة في أفريقيا اقترح البابا يوحنا بولس الثاني، مع نهاية الألفية الثانية، عمل موازنة وتشخيص يجمل تاريخ الكنيسة في أفريقيا، منذ اهتداء خازن الملكة قنداقة، وحتى تكوين كنائس محلية أفريقية أصيلة كاملة التجذر في الكثلكة وكاملة الوعي بمسئوليتها تجاه رسالة المسيح الوحيدة المناطة بالكنيسة بصفتها عائلة الله. نظراً لهذا التاريخ، وعلى ضوء ساعات العبودية الحالكة والاستعمار، وعلى نور الوقائع السياسية والاقتصادية والاجتماعية وكلها تكشف عن وضع مقلق ولكنه مملوء بالوعود، حاول البابا كشف "كيفية" وصول الأمر إلى هذا الحد، وأن يدل على طرق الحل الواجب سلوكها، حسب إنجيل المسيح: انطلاقا من رؤية للكنيسة باعتبارها عائلة الله في أفريقيا، تتوجب تنمية "تضامن رعوي عضوي يشمل كل الأرض الأفريقية والجزر المجاورة لها"[2]، بحثاً عن حلول للمشاكل وتسويات للمنازعات التي تعاني منها أفريقيا. لقد كان ذلك أيضاً اختياراً للعائلة الأفريقية كمكان أول للكرازة وكمنطلق لمواجهة تحديات الكرازة في الألفية الثالثة: ضرورة عاجلة لإعلان الإنجيل ولاقتراح المعمودية، مع التعمق الذي لا غنى عنه للمعمدين في الإيمان وشجاعة الشهادة واختيار الغفران والمصالحة حتى في الأوضاع البالغة المأساوية، وبالالتزام بتنمية العدالة والسلام. قدم الإرشاد نوعاً من خطة العمل الرعوي للكنيسة - عائلة الله التي في أفريقيا، الأمر الذي يسمح لها بأن تكون أمينة على دعوتها وعلى رسالتها، وأن تخدم إنسانية المسيح المتألمة في جسد الشعوب الأفريقية. وهكذا ترجم الإرشاد الوضع غير الإنساني والذليل الذي تعيشه الشعوب الأفريقية كمأساة وكتحدٍ، ومن ثمّ اقترح أن تكون المواجهة انطلاقا من رؤية للكنيسة باعتبارها عائلة الله. 3. إن رد الكنيسة في أفريقيا على هذا الإرشاد، من ناحية، والتطورات المستجدة في القارة، من ناحية أخرى، جعلا من الجمعية الخاصة الثانية لسينودس الأساقفة من أجل أفريقيا ضرورة عاجلة لفحص مدقق لبعض المسائل التي عرضت في الجمعية الأولى، وخصوصاً الأمور المتعلقة بالمصالحة وبالعدالة وبالسلام. في هذا السياق بالذات، وبتركيز النظر على المسيح، وبالرغبة في تمييز علامات الأزمنة الجديدة وفي تنشيط الرجاء، دعا البابا يوحنا بولس الثاني إلى جمعية خاصة ثانية لسينودس الأساقفة من أجل أفريقيا. وفي المقابلة التي منحها قداسته، يوم 13 نوفمبر 2004، بمناسبة مرور 1650 عاماً على مولد القديس أغوسطينوس، للمشاركين في مؤتمر أساقفة أفريقيا وأوروبا، حول موضوع "الشراكة والتضامن بين أفريقيا وأوروبا"، صرح قائلاً: "بقبول تمنيات المجلس الذي أعقب السينودس المعبرة عن رغبات الرعاة الأفارقة، أنتهز الفرصة لأعلن لكم عن نيتي في الدعوة لالتئام جمعية ثانية خاصة لسينودس الأساقفة من أجل أفريقيا. أوكل هذا المشروع إلى صلواتكم، بينما أدعوكم جميعاً بحرارة لكي تطلبوا من الرب تلك النعمة الثمينة، نعمة الشراكة والسلام لأرض أفريقيا الحبيبة"[3]. أما قداسة البابا بنديكتوس السادس عشر، فمنذ بداية حبريته، أكد هذه الدعوة محدداً الموضوع: «الكنيسة في أفريقيا في خدمة المصالحة والعدالة والسلام: "أنتم ملح الأرض ... أنتم نور العالم" (مت 5/13 و14)». علي الآباء الذين سيتجمعون في السينودس أن يتأملوا حول إعلان الإنجيل في سياق يتميز بأحداث تتطلب ردوداً نشيطة وأمينة للكلمات التي يوجهها الروح القدس للكنيسة – عائلة الله في أفريقيا في تلك الساعات الحاسمة من تاريخها. أجد من الواجب، هنا، التشديد على استمرارية التوجه تواصلاً مع الجمعية الأولى، حتى يجتهد الجميع في إدراك القيمة الروحية والرعوية لهذين الحدثين. 4. ترتبط الجمعيتان بالأهمية العاجلة لكرازة مستمرة وعميقة في الزمن.وفي هذا الإعلان عن ملكوت الله الذي جاء به يسوع المسيح، يظهر الالتزام من أجل المصالحة والعدالة والسلام كمكان لـتأوين ملكوت المحبة هذا: "ملكوت الله بر وسلام وفرح في الروح القدس" (روم 14/17وما بعده)[4]. في الظروف التاريخية والاجتماعية والسياسية والثقافية والدينية الراهنة في أفريقيا، نجد أن الكنيسة-عائلة الله تنهل من المسيح، كلمة الله الحية دائماً، طاقتها لتجاوز التعب والاستسلام، لتتحرر من كل أشكال القهر. يدعوها المسيح، في الواقع، لتحمل نير حبه، ففي المسيح تجد اللازم لحياة جديدة، كما تجد المذاق والنور لتحرير الشعوب الأفريقية من مختلف الظلمات التي تعطل مشوارها في التاريخ. حتى يضيء كلياً النور النابع من الكلمة على إفريقيا كلها، تقدم الكنيسة مذاق كلمة الحياة[5] الذي به يحقق المسيح، داخل قلوب البشر، تحول أفريقيا. بقدر ما يتجذر حب المسيح في قلوب الشعوب الأفريقية، في الثقافات والمؤسسات الأفريقية، بقدر ما ستتمتع القارة وشعوبها والعالم أجمع بثمار المصالحة والعدالة والسلام. مع الأخذ بعين الاعتبار تفرعات الموضوع، سنكتفي في هذه الخطوط العريضة بتقديم التالي: 1. أفريقيا في فجر القرن الواحد والعشرين. الفصل الأول أفريقيا في فجر القرن الحادي والعشرين 5. بالقرب من ضريح القديس بطرس، أظهرت الجمعية الأولى لسينودس الأساقفة من أجل أفريقيا قوة الإيمان الذي تعيشه الكنيسة في أفريقيا. وكان لآباء السينودس الحق في وصفه: "سينودس قيامة ورجاء"[6]. وبعد مضي أكثر من عشر سنوات على نشر الإرشاد الرسولي عقب السينودس، نستطيع أن نقول مع القديس بولس أن "الرجاء لا يخيب صاحبه، لأن محبة الله أُفيضت في قلوبنا" (روم 5/5). وراء الآم اللحظة الحاضرة، يستطيع من لهم عيون للنظر وآذان للسماع أن يميزوا، في الواقع، عمل العناية الإلهية في أفريقيا.
أولاً: وضع القارة منذ نشر إرشاد "الكنيسة في أفريقيا" 1. بعض التطورات الإيجابية 6. في معمعة الأحداث الأليمة التي تعتصر أفريقيا، نستطيع القول مع قداسة البابا بنديكتوس السادس عشر إن أفريقيا هي "أكبر رجاء للكنيسة"[7]. في الواقع، يمكن تمييز علامات الرجاء من أجل نهضة مسيحية خصيبة ومفعمة بالنشاط، وواعدة بقيام مجتمعات جديدة نلخصها في النمو الملحوظ في أفريقيا لعدد الكاثوليك، والكهنة، والرهبان والراهبات[8]، وكذلك العدد المتنامي للمرسلين الأفارقة في أفريقيا وفي خارج القارة إلى حد خلق قاعدة للاستشارة على مستوى القارة. هناك أيضاً حيوية الليتورجيات الأفريقية والجماعات الكنسيّة النشيطة، بالإضافة إلى خلق وإعادة هيكلة إييارشيات وقطاعات كنسيّة. وكذلك الدور المتصاعد للكنيسة في تنمية تطور القارة، خصوصاً في مجالي التربية والصحة والكفاح من أجل التعجيل بسيادة القانون على صعيد القارة كلها. وأخيراً، بصرف النظر عن الضعفات، تستمر الكنيسة في التمتع بمصداقية كبيرة لدى الشعوب الأفريقية. بالنسبة للعديد من دول أفريقيا، تظل الكنيسة الواقع الوحيد الذي يعمل جيداً حتى الآن، فيسمح للشعوب بالاستمرار في الحياة وفي رجاء غد أفضل. إن الكنيسة لا تمنح فقط المعونة الضرورية وتضمن التعايش السلمي وتساهم في إيجاد طرق ووسائل بناء الدولة، بل إن الكنيسة هي أيضاً هذا المكان المميز الذي منه ينطلق مجدداً الحديث عن المصالحة والمسامحة. هذه هي الأسباب الباعثة على الفرح في الرب (راجع رومية 5/3-4)، من أجل العجائب التي صنعها الرب في أفريقيا خلال هذه السنوات الإحدى عشرة الأخيرة. 7. من الناحية الاجتماعية أيضاً، يمكن رصد بعض التطورات الجديدة: حلول السلام في بعض البلاد الأفريقية، الرغبة العارمة في السلام المنتشرة في القارة، خصوصاً في منطقة البحيرات العظمى؛ والمعارضة المتصاعدة ضد الفساد؛ والوعي القوي بضرورة تنمية المرأة الأفريقية وبكرامة كل شخص بشري؛ والتزام العلمانيين خلال "الجمعيات المدنية" من أجل تنمية "حقوق الإنسان" والدفاع عنها؛ والتزايد المستمر لعدد رجال السياسة الأفارقة ذوي الوعي والتصميم على إيجاد حلول أفريقية للمشاكل الأفريقية. في هذا الإطار، تقوم الكنيسة بتشجيع الجهود المبذولة لتوحيد أفريقيا كلها: من الشمال إلى الجنوب، ومن الشرق إلى الغرب. في هذا الصدد، ينمو الأمل في رؤية الإتحاد الأفريقي يضم أكبر عدد ويصبح أكثر فعالية في حل الصراعات بين الأمم الأفريقية وبين المجموعات العرقية. إن التطورات الحديثة في خلال هذه السنوات الإحدى عشرة الأخيرة تقدم فرصة سانحة جديدة لرسالة الكنيسة في أفريقيا. من الضروري العمل حتى تنطلق القوى الروحية الكبرى للقارة، من كل حدب وصوب، وحتى تُخلق الظروف المؤآتية لنهضة جديدة لأفريقيا على المستوى الديني والاجتماعي والاقتصادي والسياسي.
2. بعض التطورات السلبية 8. ومع ذلك، لا يمكن التغافل عن أمر واقع: فإلى جانب هذه الآفاق الباعثة على الراحة، هناك الكثير من الأوضاع المقلقة التي سبق فأدانها الإرشاد، ومع ذلك لم تزدد إلا سوءاً، مما يولّد مستقبلاً محفوفاً بالتقلبات، مثل "التدهور العام لنوعية الحياة، ونقص الموارد لتعليم الشبيبة، وقصور الخدمات الصحية والاجتماعية الأساسية الذي يتسبب في استمرارية الأمراض المتوطنة، ووباء الايدز المروّع، وهناك أيضا عبء الديون الثقيل والذي لا يمكن تحمله أحياناً، وأهوال الحروب التي يقتتل فيها أخوة والتي تؤججها تجارة عديمة الشرف للأسلحة، علاوة على المشهد المشين والمثير للشفقة للاجئين وللمهجرين"[9]. وكيف لا يمكن توجيه إدانة صارمة للمجازر الفظيعة التي وقعت في بعض الأماكن في أفريقيا؟ هناك دلائل وأرقام تستجوبنا دائماً مثل استمرارية تصاعد وفيات الأطفال. منذ أكثر من عشرة سنوات، في أكثر بلاد أفريقيا فقراً، يستمر تدني الدخول ثابتاً. ولا يزال الحصول على مياه الشرب بالغ المشقة بالنسبة للكثيرين. بصفة عامة، تعيش الغالبية العظمى من الأفارقة حالة نقص في المواد وفي الخدمات الضرورية. لا يمكن لهذا الوضع الذي تعيشه الآن أفريقيا إلا أن يستجوب الضمائر.أفريقيا اليوم، أكثر من أي وقت مضى، تعتمد على البلاد الغنية، مما يجعلها أكثر من أية قارة أخرى سهلة الانقياد لمناوراتهم الهادفة إلى العطاء بيد وأخذ الضعف باليد الأخرى، كما ترمي أيضا إلى الحفاظ على تسلط قوي على مجريات الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، بل حتى الثقافية، في البلاد الأفريقية.أفريقيا منسية عن قصد في هذا العالم الذي يُبنى، ولا تُذكر إلا عند وجوب استعراض مظاهر بؤسها، أو لاستغلالها. والآن، فأي رافعة يجب استخدامها لفتح بارقة رجاء في مثل هذا الجدار الذي يسد الأفق الاجتماعي-الاقتصادي الأفريقي؟
3. غاية هذه الخطوط العريضة 9. في مواجهة أوضاع مختلفة كهذه، يصعب قول كلمة وحيدة كما لو كنا نتصور حلاً ذا قيمة شاملة. ليس هذا طموح هذه الخطوط العريضة، ولا رسالتها. ليس قصدها أن تقول كل شيء، بل أن تعدّد بعض الأولويات النابعة من الدراسة ومن العمل في مجال المصالحة والعدالة والسلام. يتعلق الأمر بالحري بوضع أسئلة وبالتشجيع على البحث الجماعي عن حلول في إطار المسعى السينودسي الذي بدأ بالجمعية الأولى.
ثانياً: بعض الأولويات 10. لا يمكن لتفكير متعمق حول موضوع الجمعية الثانية الخاصة من اجل أفريقيا لسينودس الأساقفة – أي «الكنيسة في أفريقيا في خدمة المصالحة والعدالة والسلام: "أنتم ملح الأرض ... أنتم نور العالم" (مت 5/13 و14» - الاستغناء عن دراسة حول الأسباب التي تستطيع تفسير كل هذا الكم من الكراهية والظلم والحروب الناشطة في القارة. بالفعل، إن الصفة العاجلة التي تتسم بها هذه الجمعية الخاصة الثانية من أجل أفريقيا ترتبط بعذاب الشعوب الأفريقية، وبفقدان الطابع الإنساني وبالقهر المستمر في هذه القارة، التي تطالعنا فيها مجموعة صراعات ومشاكل تمثل بؤرة تحديات الكرازة في أفريقيا المعاصرة. في الإرشاد الرسولي عقب السينودس، وحسب تقدير البابا يوحنا بولس الثاني، فإن أكبر تحدي لتحقيق العدالة والسلام في أفريقيا يكمن في حسن إدارة الأمور العامة في مجالي السياسة والاقتصاد المتلازمين[10]. ترتبط معاناة الشعوب الأفريقية، في مجملها، بالإدارة في هذين المجالين، وبمجال الثقافة أيضا. هذا هو التحدي الأكبر للكرازة في أفريقيا حيث تحدد الحياة، بل والإنسان نفسه، من خلال "العلاقة"، "الكينونة مع" في إطار جماعي أساساً. في هذه الأبعاد الثلاثة، أيضا، خصوصاً البعد الاجتماعي-السياسي والاجتماعي-الاقتصادي والاجتماعي-الثقافي، ننوي، في السطور التالية، دعوة الكنائس المحلية في أفريقيا إلى التأمل وإلى اقتراح طرق للحل في ما يتعلق بالمصالحة والعدالة والسلام.
1. الجانب الاجتماعي-السياسي 11. أحد التحديات الكبرى في أفريقيا المعاصرة هو فشل دولة ما بعد الاستعمار، في غالبية البلاد الأفريقية. سيكون من السذاجة أن تعزى أسباب هذا الفشل السياسي في أفريقيا إلى التركيبة المتعددة الأعراق للدول، أو إلى الحدود الاصطناعية الموروثة عن المستعمرات. بعيداً عن التباينات وتعارض المصالح العرقية، توجد لدى الأفارقة، في الواقع، فكرة قومية، وإلا لما كان يمكن تفسير تمسك كل أفريقي ببلده وبتاريخه. السؤال الذي يطرح نفسه يتعلق بمعرفة كيف يمكن تحويل التعددية إلى عامل إيجابي، للبناء وليس للهدم؟ ونفس السؤال بالنسبة للحدود الاصطناعية: هل نحن واثقون بأن الحدود الجديدة "الطبيعية" لن تخلق المزيد من المشاكل؟ أين ستوجد هذه الحدود الطبيعية التي ليست بعشوائية، أو على الأصح ليست إيديولوجية؟ من سيكون هذا الحَكم النزيه الذي سيرضي الكل إلى أقصى حد؟ ألا يجب أن التمسك بحكمة الآباء مؤسسي منظمة الإتحاد الأفريقي (O.U.A.)، الذين في عام 1963، اختاروا عدم إعادة البحث في الترسيم الحالي للحدود؟ على أكثر الاحتمال، يكمن التحدي في جانب أسلوب الحكم الجيد وتكوين طبقة سياسية قادرة على استرجاع أفضل تقاليد الأجداد وعلى دمجها في مبادىء حكم المجتمعات الحديثة. ليس المقصود بذلك التهوين من كون التعددية العرقية هي غالباً دافع لتوترات داخل الدول، ولا إنه يوجد، عملياً، في الكثير من البلاد الأفريقية، فقدان لشرعية الحكام في عيون شعب يتساءل عمن تخدم الدولة، وتدمير فعلي للدولة بواسطة من يُفترض فيهم أن يكونوا خدامها الأوفياء.
12. في بعض البلاد الأفريقية، توجد بالفعل توترات اجتماعية مستمرة تعرقل التقدم، وتتسبب في اضطرابات سياسية ونزاعات مسلحة. يؤدي التشيع للقبيلة والنزاعات على الحدود ومحاولات التوسع إلى صراعات مسلحة باهظة التكاليف من ناحية الضحايا البشرية، كما أنها تستنزف الموارد المالية. في بعض بلاد أفريقيا، هناك انتهاك مستمر للحقوق الأساسية للإنسان مع كل نتائجه، كما أن السلام فيها مشوب بهيمنة أو بهدوء مفروضين بالقوة، مما يضمن بقاء الحكم في يد حفنة من الرجال على حساب الشعوب. في مثل تلك الظروف، يستحيل على المواطنين المشاركة في الحياة العامة أو أن يكون لرأيهم الجماعي أي وزن مؤثر، مما يخلق عندهم الميل إلى عدم الالتزام واللامبالاة. وطالما لم يتم التوصل إلى خلق دول يسود فيها القانون في أفريقيا، ويحكمها أفارقة ذوي ديموقراطية أصيلة، فالخطر كبير في استمرار مثل هذا الوضع.
13. إن أحر أمنيات آباء السينودس في رؤية "قيام دولة القانون في بلادنا لحماية حقوق وواجبات المواطنين"[11] لم تجد الصدى المتوقع لدى أغلب حكام البلاد الأفريقية. نقص الاعتراف بالفرد وبالجماعة معاً، وبمتطلباتهم الخاصة، يولّد الشقاق ومن ثمّ الحرب وعواقبها. يعتبر دمار الحرب عقبة كؤوداً أمام كل عملية تطور، إذ أنه يتسبب في مأساة اللاجئين، كما في سياق المعاناة بسبب الحرب والجوع، والحزن والخوف، والعري والمرض، والأوضاع المُهِينة؛ إنها تحطم كرامة الشخص البشري المخلوق على صورة الله ومثاله. في غالبية الدول الأفريقية، يدل الواقع على أن موقف السلطة السياسية يتميز بتجاهل الشخص البشري، وحقوقه الأساسية التي لا يمكن المساس بها. إن إقامة الديموقراطية الحقيقية التي تضمن أمان الممتلكات والأشخاص هو شرط لا غنى عنه لتقدم البلاد الأفريقية.
2. الجانب الاجتماعي-الاقتصادي 14. إذا كان صحيحاً أن أفريقيا قد عاشت تاريخاً طويلاً وحزيناً من الاستغلال بواسطة آخرين[12]، يجب القول بأن هذا الوضع لم ينتهِ بانتهاء المستعمرات، فهو مستمر اليوم أيضا بصور جديدة، بما فيها عبء الديون الباهظ، والشروط التجارية الجائرة، ودفن النفايات السامة (في أفريقيا)، والشروط المفرطة القسوة التي تفرضها برامج الترشيد البنيوي.
15. في غالبية البلاد الأفريقية، ورغماً عن التقدم الذي تحقق منذ السنوات الأخيرة، ما زال معدل مكافحة الأمية بين الأدنى على الصعيد العالمي. في بلاد عديدة، يتدهور نظام التعليم باستمرار، كما إن الرعاية الصحية مجرد حطام، والمساعدة الاجتماعية تكاد تكون غير موجودة. في ظروف الفوضى هذه، يعتبر الضعفاء هم الأشخاص المهددون بالأكثر. كذلك الوضع على الصعيد السكاني، إذ لا يمكن أن يظل الإنسان مكتوف الأيدي بمجرد الوعي بخطر الإخلال بالتوازن بين شعب تبلغ زيادته السنوية معدلاً عالمياً قياسياً، وبين موارد راكدة إن لم تكن متقهقرة. تتناقض موارد أفريقيا الضخمة مع بؤس الفقراء فيها، حتى أصبحت فاضحة أكثر فأكثر رؤية الثروات المتراكمة بين يدي حفنة من أصحاب الامتيازات. تجاه هذا الوضع غير المقبول، يشجب الإرشاد الرسولي الذي أعقب السينودس الكنيسة في أفريقيا"عدم أمانة بعض الحكام الفاسدين الذي يختلسون الموارد القومية لصالحهم، بتحويل الأموال العامة إلى حسابات خاصة في البنوك الأجنبية، بالتواطؤ م |