![]() |
![]() |
|
رسالة جامعةفيالإيمان والعقلFIDES ET RATIO من قداسة البابا يوحنا بولس الثانيإلى اساقفة الكنيسة الكاثوليكيّةفي العلاقاتبين الإيمان والعقلأيها الإخوة الأجلاء في الأسقفية تحية وبركة رسولية
الإيمان والعقل هما بمثابة الجناحين اللذين يمكّنان العقل البشري من الارتقاء إلى تأمل الحقيقة. فالله هو الذي وضع في قلب الإنسان الرغبة في معرفة الحقيقة ومعرفته هو ذاته، في النهاية، حتى إذا ما عرفه وأحبّه تمكّن من الوصول إلى الحقيقة الكاملة في شأن ذاته (را خر 33، 18؛ مز 27 [28]، 8-9؛ 63 [62]، 2-3؛ يو 14، 8؛ ا يو 3، 2). تمهيد«اعرف نفسك»1. في الشرق كما في الغرب، بالإمكان أن نلحظ مسيرة دفعت بالبشرية، على مدى أجيال، إلى التقرب شيئاً فشيئاً من الحقيقة ومجابهتها. هذه المسيرة تطوّرت - ولم يكن بالإمكان غير ذلك - في مجال وعي الإنسان لذاته: فبمقدار ما يعرف الإنسان الحقيقة والعالم، يعرف ذاته في فرادتها، فيما يلجّ عليه أكثر فأكثر السؤال عن معنى الأشياء ومعنى وجوده بالذات. فما يظهر لنا موضوع معرفة إنما هو جزء من حياتنا. القول المأثور: «اعرف نفسك» كان منقوشاً على عتبة هيكل دِلف ليشهد لحقيقة أساسيّة، يجب أن تُعتبر قاعدة دُنيا في نظر كل إنسان يريد أن يتميّز عن غيره من الخلائق، ويتّصف بكونه إنساناً لأنه، بالضبط، «يعرف نفسه». نظرة بسيطة إلى التاريخ القديم تُظهر بوضوح ما ينشأ في غير جزءٍ من أجزاء العالم المعروفة بثقافاتها المتنوّعة، من أسئلة عميقة تطبع مسيرة الوجود البشري بطابع مميّز: من أنـا؟ من أين أنا وإلى أين؟ لماذا وجود الشرّ؟ وماذا يعقب هذه الحياة؟ هذه الأسئلة ماثلة في كتب إسرائيل المقدّسة، ولكنها تطفو أيضاً في كتب الفيدا وكتب الأفستا؛ ونقع عليها أيضاً في مصنّفات كونفوشيوس ولاوتسو كما نعثر عليها في عظات التيرثنكارا وبوذا. ونستشّفها أيضاً في شِعر هوميروس ومسرحيات أوربيذوس وسوفوكليس وكذلك في مصنّفات أفلاطون وأرسطو الفلسفيّة. هذه الأسئلة لها مصدر مشترك: البحث عن المعنى الذي يلج أبداً في قلب الإنسان، والجواب على هذه الأسئلة هو الذي يوجّه الحياة. 2. الكنيسة ليست غريبة عن هذه المسيرة الباحثة ولا تستطيع أن تتجاهلها. فمنذ أن تلقّت، في السرّ الفصحي، هبـة المعرفة القصوى في شأن حياة الإنسان، انطلقت على دروب العالم تنادي بأن يسوع المسيح هو «الطريق والحق والحياة» (يو 14، 6). من بين الخدمات التي تؤديها الكنيسة للبشرية خدمة تُلزِم مسؤوليتَها بطريقة خاصة جداً: وهي خدمة الحقيقة[1]. فمن جهة، نرى أن هذه المُهمّة تدعو جماعة المؤمنين إلى المساهمة في ما تبذله البشرية من جهد مشترك لبلوغ الحقيقة[2]. وهي تلزمها، من جهة أخرى، بأن تتعهَّد المناداة باليقينيات المكتسبة، مع العلم بأن كل حقيقة نُصيبها ما هي سوى مرحلة في الطريق إلى الحقيقة الكاملة التي سوف تظهر لنا في تجليّ الله الأخير: «الآن ننظر في مرآة، في إبهام، أمَّا حينئذٍ فوجهاً إلى وجه. الآن أعلم علماً ناقصاً، أما حينئذٍ فَسَأعْلَم كما عُلِمت» (1 قو 13، 12). 3. يملك الإنسان طاقات كثيرة لدفع التقدَّم في معرفة الحقيقة، بحيث تصبح حياته إنسانية أكثر فأكثر. من بين هذه الطاقات الركون إلى الفلسفة التي تساهم مباشرة في طرح السؤال في شأن معنى الحياة واستطلاع الجواب عليه. الفلسفة هي إذن مهمة من أشرف مهامّ البشرية. لفظة «فلسفة»، في أصلها اليوناني، تعني «حبّ الحكمة». والواقع أن الفلسفة نشأت وترعرعت في الزمن الذي بدأ فيه الإنسان يتساءل عن علة الأشياء وغايتها. ففي أشكال وأنماط متنوعة، تُبيّن لنا الفلسفة أن شوق الحقيقة هو جزء لا يتجزأ من طبيعة الإنسان. إنها مزيّة فطريّة من مزايا العقل أن يتساءل عن علّة الأشياء حتى وإن كانت الأجوبة التي تحظى بها البشرية شيئاً فشيئاً تدخل في إطار رؤية يتجلى من خلالها تكامل الثقافات المتنوّعة التي يعيش فيها الإنسان. إن ما أحدثته الفلسفة من وقعٍ عميق في تكوين الثقافات في الغرب وتطويرها يجب ألاَّ يُنسينا الأثر الذي خلَّفته أيضاً في مفاهيم الوجود عند الشرقيين. كل شعب يملك حكمة أهلية هي بمثابة ثروة ثقافية حقيقية تسعى إلى أن تعبّر عن ذاتها، وتنضُج أيضاً عبر أنماطٍ فلسفية مميّزة. والبرهان على ذلك أن ثمّة نمطاً أساسياً من أنماط المعرفة الفلسفية لا يزال قائماً حتى اليوم ويمكن أن نتحققه حتى في المسلَّمات التي تستوحيها مختلفُ التشريعات الوطنية والدولية لتثبيت قواعد الحياة الاجتماعية. 4. على كلٍ لا بدَّ من أن نلحظ أن وراء لفظة واحدةٍ تكمن معانٍ مختلفة. لا بدَّ إذن من شرح تمهيدي. يسعى الإنسان، بدافع من رغبته في اكتشاف الحقيقة القصوى في شأن الوجود، إلى امتلاك المعارف العامة التي تتيح له أن يكتنه ذاته اكتناهاً أفضل ويتقدَّم في تحقيق ذاته. المعارف الأَساسية تنبثق من الاندهاش الذي يبعثه فيه تأمّل الخليقة: فالكائن البشري يستحوذ عليه الذهول باكتشاف ذاته مندمجاً في العالم، وفي علاقة مع كائنات أخرى تشبهه يشارك مصيرها. هنا تبدأ المسيرة التي تفضي به إلى اكتشاف آفاقٍ من المعرفة دائمة التجدّد. بدون هذا الاندهاش يقع الإنسان في التكرار ويمسي شيئاً فشيئاً عاجزاً عن أن يحيا حياة شخصية حقيقية. الطاقة الفكرية التي يتميّز بها العقل البشري تمكّنه من أن يصوغ، عبر النشاط الفلسفي، نمطاً من الفكر الصارم، ومن أن يبني هكذا علماً نظيماً يتميّز بتماسك المقولات تماسكاً منطقياً وبطابع بنيويّ المحتوى. بفضل هذا المسار، استطاعت البشريّة أن تحرز، في قرائن ثقافية مختلفة وفي أزمنة متراوحة، نتائج أفضت إلى صياغة مذاهب فكرية حقيقية. ولكن ما نتج عن ذلك، تاريخياً هو تعرّض الفلسفة غالباً لاعتبار تيارٍ فكريٍ واحد بمثابة الفكر الفلسفي بأجمعه. إلاَّ أنه من الواضح، في مثل هذه الحال، أن هناك شبه «غطرسةٍ فلسفية» تدّعي وضع نظرتها الخاصة، بالرغم من محدوديتها، موضع الرؤية الشاملة. والواقع ان كل مذهب فلسفي، حتى وإن احتُرمَتْ جميع مقوّماته بمنأىً عن كل محاولة من محاولات التوسيل، يجب أن يعترف بأولويّة الفكر الفلسفي الذي ينبثق منه والذي يجب أن يتطوّع له بطريقة متماسكة. بالإمكان، والحالة هذه، أن نهتدي إلى وجود نواةٍ من المفاهيم الفلسفية الثابتة في تاريخ الفكر، بالرغم من التقلبات عبر الأزمنة، وتطورات العلم. وحسبنا، مثالاً على ذلك، أن نعود بالفكر إلى مبدأ اللاتناقضية والغائية والسببية، وكذلك إلى رؤية الإنسان كائناً حراً مفكّراً وقدرته على معرفة الله والحقيقة والخير؛ حسبنا أن نعود أيضاً إلى بعض القواعد الأخلاقية الأساسية المعترف بها عامَّة. هذه المفاهيم وغيرها هي الدليل على أن هناك مجموعة من المقولات يمكن أن نعتبرها شبه تراث روحي للبشرية باسرها، بصرف النظر عن التيارات الفكريّة المختلفة؛ فكأنما نحن بإزاء فلسفة ضمنية تحمل كلاَّ منا على الشعور بأنه يمتلك هذه المبادىء، حتى وإن كان ذلك بطريقة عامة وعفويَّة. هذه المفاهيم، بسبب كونها تراثاً مشتركاً بين الجميع، إلى حدٍّ ما، يجب أن تكوّن مراجع تعتمدها مختلف المدارس الفلسفية. عندما يتوصل العقل إلى أن يدرك ويصوغ المبادىء الأولى والشاملة وأن يستخلص منها، بطريقة سليمة، النتائج المتماسكة على صعيد المنطق والأخلاق، بإمكاننا عندئذٍ أن نتكلم عن عقل سويّ، على حدٍّ تعبير القدامى. 5. وأمَّا الكنيسة فلا تخلو من أن تقدّر جهود العقل للوصول إلى الأهداف التي تضفي على الوجود الشخصي مزيداً من الكرامة. فهي تتوسَّم في الفلسفة وسيلة لا بدَّ منها للتعمق في فهم الإيمان، وتبليغ حقيقة الإنجيل للذين لم تصل بعد إليهم. تعقيباً على ما قام به أسلافي في هذا المجال، أودُّ أنا أيضاً أن أوجّه نظري إلى هذا النمط الخاص من النشاط الفكري. وما يحملني على هذا هو ما يبدو لنا غالباً، في هذا العصر خصوصاً، من محاولات التعتيم على التماس الحقيقة. لا شك أن الفلسفة المعاصرة لها الفضل الكبير في تركيز انتباهها على الإنسان. من هذا المنطلق، أخذ العقل المزدحم بالتساؤلات يعزّز رغبته في امتلاك معرفة أوسع وأعمق. هكذا نشأت مذاهب فكرية معقّدة أعطت ثمارها في مختلف مجالات العلم وساعدت في تطوير الثقافة والتاريخ. علم الإنسان والمنطق وعلوم الطبيعة والتاريخ واللغة، بل عالم المعرفة كله، تناولته الفلسفة بطريقة ما. إلاّ أن النتائج الإيجابيّة المحصَّلة يجب ألاّ تلهينا عن أن هذا العقل ذاته المنهمك في التحرّي عن الذات الإنسانية بطريقة حصرية، يبدو في غفلة عن أن هذا الإنسان لا يزال مدعواً أيضاً إلى الشخوص إلى حقيقة تتخطاه. بمعزلٍ عن هذا المرجع يظلُ الإنسان عرضة للاعتباطية ويمسي خاضعاً لمقاييس برغماتية مرتكزة جوهرياً على المعطى الاختباري، وذلك من منطلق يقين زائف بأن التقنيَّة يجب أن تُهيمن على كل شيء. ونجم عن ذلك أن العقل المثقل بمثل هذا القدر من العلم، بدلاً من أن يعبّر قدر الإمكان عن نزوعه إلى الحقيقة. انكفأ على ذاته وأمسى يوماً أقلَّ من يوم أهلاً لأن يرفع بصره إلى فوق، ويتجرأ على الوصول إلى الحقيقة. الفلسفة المعاصرة، في غفلتها عن التماس حقيقة الكيان، كثَّفت بحثها في المعرفة البشرية. وبدلاً من أن ترتكز على قدرة الإنسان على معرفة الحقيقة آثرت التركيز على محدوديتها ومظروفياتها. نتج عن ذلك غير شكلٍ من أشكال اللاّأدرية والنسبويّة أدت بالبحث الفلسفي إلى الضياع في الريبيَّة الشاملة ورمالها المتحركة. وقد أخذت تتفاقم، في المدة الأخيرة، بعض التعاليم النازعة إلى الحطّ من قيم الحقائق التي كان الإنسان قد تثبَّت من بلوغها. وهكذا تراجعت التعدّدية المشروعة في المواقف أمام التعدّدية اللامبالية المرتكزة على المبدأ القائل بأن كل المواقف سواء. وتلك دلالة من أكثر الدلائل انتشاراً على ما نلحظه، في القرائن الراهنة، من حذر تجاه الحقيقة. هناك نظريات في الحياة صادرة من الشرق لا تخلو، أيضاً من مثل هذا التحقظ. ففي نظرها يجب أن نخلع عن الحقيقة طابعها المطلق، وذلك انطلاقاً من الفرضيَّة القائلة بأن الحقيقة تتجلى بطريقة متساوية في معتقدات مختلفة بل متضاربة. من هذا المنظار، كل شيء يصبح مجرَّد رأي. ويسودنا الشعور بأننا بإزاء حركة متموّجة: فمن جهة نرى أن الفكر الفلسفي قد أفلح في سلوك الطريق التي تقرّبه أكثر فأكثر من الوجود البشري في مختلف تعابيره، ونرى، من جهة أخرى، أنه ينـزع إلى تنمية اعتبارات وجودية وتفسيرية ولغويّة تطمس السؤال الجوهري في شأن حقيقة الحياة الشخصية وحقيقة الكيان والله؛ وبالنتيجة أخذت تظهر عند الإنسان المعاصر، وليس عند بعض الفلاسفة وحسب، مواقف ارتياب على جانب من الانتشار حيال ما يملكه الكائن البشري من طاقات كبيرة تخوّله الوصول إلى المعرفة. وبدافع من التواضع المزيّف، بات عصرنا مكتفياً بالحقائق الجزئية والوقتية، متنصّلاً من السعي إلى طرح الأسئلة الجذرية حول معنى الحياة البشرية الشخصية والاجتماعية ومرتكزها الأخير. وخلاصة القول أن عصرنا قد فقد الرجاء في أن يتلقى من الفلسفة أجوبة حاسمة على هذه الأسئلة. 6. وأمَّا الكنيسة المدعومة بما تلقته من وحي يسوع المسيح، فهي تجد نفسها أهلاً لأن تؤكد، مرة أخرى، ضرورة البحث عن الحقيقة. وهذا ما حملني على التوجه إليكم، أيها الإخوة الأجلاء في الأسقفية الذين أشترك وإياهم في «إظهار الحق» (2 قو 4، 2)، كما أتوجه أيضاً إلى اللاهوتيين والفلاسفة الذين يقع عليهم واجب التحرّي عن مختلف وجوه الحقيقة. وأتوجه أخيراً إلى الذين هم في طور البحث، لأنقل إلى هؤلاء جميعاً بعض الأفكار في الطريق المؤدّية إلى الحكمة الحقيقية، حتى يتمكن كل الذين يحملون في قلوبهم محبّة الحكمة من أن يسلكوا الطريق الصحيحة التي توصلهم إليها ويجدوا فيها مكافأة أتعابهم مقرونة بالفرح الروحي. إن ما يدفعني إلى اتخاذ هذه المبادرة هو أولاً تنبّهي لما يعبّر عنه المجمع الفاتيكاني، عندما يؤكد أن الأساقفة هم «شهود الحقيقة الإلهية والكاثوليكيّة»[3]. الشهادة للحقيقة هي إذن مسؤولية وُكلت إلينا تحن الأساقفة، ولا يسوغ لنا أن نستعفي منها بدون أن نخلِف بالخدمة التي أُسنِدَت إلينا. عندما نؤكّد حقيقة الإيمان، بإمكاننا أن نعيد إلى إنسان عصرنا ثقة حقيقية بطاقاته الإدراكية ونتحدَّى الفلسفة لتعود وتكتشف ثانية كرامتها الكاملة وتعزّزها. هناك دافع آخر يحثني إلى تسطير هذه الأفكار. في رسالتي العامة «تألق الحقيقة» لفتُّ الانتباه إلى «بعض الحقائق الأساسية في التعليم الكاثوليكي المعرّضة للتشويه والرفض في القرائن الراهنة»[4]. إني أود، من خلال هذه الرسالة، أن أواصل هذا البحث وأركّز الانتباه على موضوع الحقيقة بالذات ومرتكزها بالنسبة إلى الإيمان. لا يمكننا، في الواقع، أن ننكر ما يجري في هذه الفترة من تحوّلات سريعة ومعقَّدة تعرّض الأجيال الناشئة، وبخاصّة التي في يدها المستقبل وبها يتعلَّق، لأن تشعر بفقدان المعالم الصحيحة على طريق الحقيقة. ضرورة الارتكاز على أساس يبنى عليه صرح الوجود الشخصي والاجتماعي أمست حاجة مُلِحَّة، خصوصاً عندما نجدنا مضطرين إلى لمس الطابع التصدّعي في طروحات ترفع الأشياء العابرة إلى مستوى القيم، توهماً أنه بالإمكان الوصول إلى الوجود في معناه الحقيقي. وينجم عن ذلك أن كثيراً من الناس يجرجرون حياتهم عند حافة الهوّة، لا يدرون إلى أين يتوجهون. وهذا منوط أيضاً بأن الذين كانوا مدعوِّين بدعوة خاصة إلى التعبير عن ثمرة تفكيرهم في أشكال ثقافية، قد أشاحوا بنظرهم عن الحقيقة وآثروا النجاح الفوري على عناء البحث الصبور في ما هو جدير بالحياة. الفلسفة التي تحمل المسؤولية الباهظة في تنشئة الفكر والثقافة، بالدعوة الدائمة إلى التماس الحقيقة، عليها أن تعود إلى اكتشاف رسالتها الأصيلة اكتشافاً ناشطاً. ولذا شعرتُ لا بضرورة الخوض في هذه المسألة وحسب بل بالواجب الملقى على عاتقي في معالجة هذا الموضوع، لكي تتمكن البشرية، وهي عند عتبة الألف الثالث من التاريخ المسيحي، من أن تعي بوضوح أكثر الطاقات العظيمة التي أُكرمت بها وتسير، بشجاعة متجدّدة، في سبيل تحقيق خطة الخلاص التي يتسجَّل فيها تاريخها. الفصل الأولالكشف عن حكمة الله7. في منطلق كل فكر تخوض فيه الكنيسة، نجد اليقين بأنها مؤتمنة على رسالة تنبع في ذات الله (را 2 قو 4، 1-2). المعرفة التي تقدمها الكنيسة للإنسان ليست عصارة تفكيرها، مهما سما، بل نتيجة تلقيّها كلمة الله في الإيمان (را 1 طيم 2، 13). كياننا نحن المؤمنين ينبع من لقاء فريد من نوعه، اطَّلعْنا به على سرّ مطوي منذ الدهور (را 1 قو 2، 7؛ روم 16، 25-26)، وانكشف لنا الآن: «لقد رضي الله في جودته وحكمته أن يكشف لنا ذاته ويطلعنا على سرّ مشيئته» (را أف 1، 9) الذي يوصل الناس إلى عند الآب بواسطة المسيح الكلمة المتجسّد، وفي الروح القدس، ويصيرون به شركاء في الطبيعة الإلهية»[5]. تلك بادرة مجَّانيَّة على الإطلاق، تصدر من عند الآب لتتدارك البشرية وتخلصها. إن الله، بوصفه ينبوع حبّ، يريد أن يعرِّفنا ذاته، وما يحصّله الإنسان من معرفة الله يساعده في استكمال كل معرفة أخرى تتعلق بمعنى وجوده، وبإمكان عقله أن يتوصَّل إليها. 8. الدستور العقائدي «كلمة الله» الصادر عن المجمع الفاتيكاني الثاني، قد استعاد بطريقة شبه حرفية ما ورد في المجمع الفاتيكاني الأول في دستوره العقائدي «ابن الله»، كما استعان بالمبادىء التي حددها المجمع التريدنتيني ليواصل المسيرة العريقة في فهم الإيمان، وتأمَّل في الوحي في ضوء التعليم البيبلي ومجمل التقليد الآبائي. في المجمع الفاتيكاني الأول أكبَّ الآباء على التنويه بالطابع السماوي في الوحي الإلهي. النقد العقلاني الذي كان يطعن في الإيمان آنذاك، انطلاقاً من طروحات خاطئة وشديدة الانتشار، كان يهدف إلى نفي كل معرفة لا تُجتنى من طاقات العقل الطبيعية. هذا الواقع اضطَرَّ المجمع إلى أن يعود ويؤكد بقوة أن هناك معرفة هي من مزيّة الإيمان إلى جانب المعرفة النابعة من العقل البشري، القادر على الوصول إلى الله بطريقة طبيعية. هذه المعرفة الإيمانية تعبّر عن حقيقة ترتكز على وحي من الله، وهي حقيقة مؤكدة لأن الله لا يغلط ولا يريد أن يخدع[6]. 9. المجمع الفاتيكاني الأول يعلمنا إذن أن الحقيقة التي نحصّلها عن طريق الفكر الفلسفي والحقيقة الصادرة عن الوحي لا تختلطان، وأن الواحدة لا تغني عن الأخرى: «هناك صنفان من المعرفة متميزان، لا من حيث المصدر وحسب، بـل من حيث الموضوع أيضاً. أمّا من حيث المصدر، فلأن المعرفة الأولى تتوسّل العقل الطبيعي، وأمّا الثانية فتعتمد الإيمان الإلهي للوصول إلى المعرفة. وأمّا من حيث الموضوع، فلأن هناك ما يتخطى الحقائق التي يستطيع العقل الطبيعي أن يحصّلها، وهو مجموع ما يقدّمه لنا الإيمان من أسرارٍ مطويَّة في الله نعجز عن معرفتها إذا لم يكشفها الله لنا»[7]. والواقع أن الإيمان المرتكز على شهادة الله والمدعوم بالنعمة العلوية هو من غير مستوى المعرفة الفلسفية؛ فهذه تعتمد الإدراك الحسي والاختبار وتنمو في ضوء العقل فقط. الفلسفة والعلوم تتقدّم على صعيد العقل، بينما الإيمان الذي يستنير ويهتدي بالروح فهو يجد في بشرى الخلاص «ملء النعمة والحق» (را يو 1، 14) الذي أراد الله أن يكشفه لنا في التاريخ وبطريقة حاسمة بابنه يسوع المسيح (را 1 يو 5، 9؛ يو 5، 31-32). 10. آباء المجمع الفاتيكاني الثاني ثبتوا نظرهم على يسوع الذي كشف لنا [سرّ الله]، فنوّهوا بما يتميّز به الكشف عن الله في التاريخ من طابع خلاصي، وعبَّروا عن فحوى هذا الكشف بالعبارات التالية: «في عملية المكاشفة هذه يخاطب الله غير المنظور (قول 1، 15؛ 1 طيم 17) جماعة البشر، مـن فيض حنانه، كما يخاطب الأحباء (خر 33، 11 يو 15، 14-15). إنه يتحدث إليهم، وهو في علاقة معهم (را با 3، 83)، ليطلب منهم أن يشاركوه في حياته ويقبلهم في هذه الشركة. وقد شاء أن تتم هذه المكاشفة بواسطة أعمال أجراها، وأقوال ساقها، وكلاهما وثيق الارتباط: فالأعمال التي عملها في تاريخ الخلاص أوضحت تعاليمه، ووطَّدت مدلول كلامه، كما أن الأقوال التي قالها أشادت بأعماله، وأظهرت ما فيها من تدابير تفوق الإدراك. بواسطة هذه المكاشفة، بدأت الحقيقة العميقة في شأن الله كما في شأن خلاص الإنسان تتجلى لنا بسناء في المسيح الذي هو وسيط كل الوحي وكما له في آن واحد»[8]. 11. الوحي الإلهي يندرج إذن في الزمان وفي التاريخ. وحتى تجسّدُ يسوع المسيح صار «في ملء الزمان» (غل 4، 4). ألفي سنة من بعد هذا الحدث، أشعر بحاجة العودة إلى التأكيد بقوة «أن الزمن في المسيحيّة له أهمية أساسية»[9]. ففـي الزمن يظهر كل عمل الخلق والخلاص، ويتجلى لنا خصوصاً أننا، بواسطة تجسّد ابن الله، نعيش ونستبق، منذ الآن، ما سوف يكون كمال الزمان (را عب 1، 2). الحقيقة التي وكلها الله إلى الإنسان في شأن ذاته وفي شأن حياته تندرج إذن في الزمان وفي التاريخ. ومن الثـابت أن هذه الحقيقة نُطق بها مرة واحدة في سرّ يسوع الناصري. وهذا ما ورد بوضوح في الدستور العقائدي «كلمة الله»: «إن الله، بعد أن تكلّم بلسان الأنبياء مراراً عديدة، وبأساليب مختلفة، كلَّمنا في هذه الأيام الأخيرة بالابن» (عب 1، 1-2). فلقد أرسل الله ابنه، الكلمة الأزلي، الذي ينير كل البشر، ليسكن بين الناس، ويطلعهم على أعماق الله (يو 1، 1-18)، فجاء يسوع المسيح كلمةً متجسداً وبشراً رسولاً إلى البشر، «ينطـق بكلمات الله» (يو 3، 34)، ويُجري عمل الخلاص الذي أعطاه اللهُ أن يتمّمه. «ولأن من رآه فقد رأى الآب» (يو 14-9) جاء يسوع ليعيش بين البشر ويظهر لهم ذاته، بأقواله وأعماله ثم بآياته وعجائبه، وخاصة بموته وقيامته المجيدة من بين الأموات وأخيراً بإرساله روح الحق، ويُنجِز هكذا الوحي ويتمّمه»[10]. التاريخ في نظر شعب الله هو بمثابة طريق لا بدَّ من أن نسير فيه حتى النهاية، بحيث تصبح الحقيقة الموحاة قادرة على التعبير عن محتواها تعبيراً كاملاً بفضل ما يقوم به الروح من عمل دائم (را يو 16، 13). وهذا ما نجده أيضاً في الدستور العقائدي «كلمة الله»، عندما يؤكد: «تسعى الكنيسة، بلا انقطاع، وعلى مرّ العصور، إلى أن تبلغ الحقيقة الإلهية كاملة، إلى أن يحين لها الوقت، فتتحقق فيها أقوال الله»[11]. 12. يصبح التاريخ إذن الموقع الذي نتحقق فيه عمل الله لخير البشرية. إن الله يلاقينا في ما هو مألوف لدينا ولا يصعب علينا التحقق منه، لأن التاريخ هو إطار حياتنا اليومية وبدونه لا يمكن أن يتم التفاهم بيننا. إن تجسّد ابن الله يتيح لنا أن نشهد الحصيلة النهائية التي لم يكن العقل البشري، من منطلق ذاته، يتصوّرها ولو بالخيال: وهو أن الأبديّ اقتحم الزمن، والكلَّ احتجب وراء الجزء، والله اتخذ وجه إنسان. الحقيقة التي عبَّر عنها وحي المسيح لم تعد محصورة في حيّز جغرافي وثقافي محدود، بل هي مفتوحة على كل إنسان، رجلاً كان أم امرأة، يريد أن يقبلها كلمةً قادرة بقدرة حاسمة على أن تعطي معنىً للوجود. والواقع أن الجميع يجدون في المسيح طريقاً إلى الآب: وذلك بأن المسيح، بموته وقيامته، وهب الحياة الأبدية التي كان آدم قد رفضها (را روم 5، 12-15). بواسطة هذا الكشف يتلقى الإنسان الحقيقة القصوى في شأن حياته وفي شأن مصير التاريخ: «ممّا لا شك فيه أن مصير الإنسان لا يستضيء حقاً إلاّ في ضوء سرّ الكلمة المتجسد، على حدّ ما يؤكده الدستور العقائدي «فرح ورجاء»[12]. بمنأىً عن هذه الرؤية، يبقى سـرَّ الوجود الشخصي لغزاً مطبقاً. أين يستطيع الإنسان أن يلقى جواباً على الأسئلة الخطيرة كالعذاب وعذاب البريء والموت إلاّ في الضوء المنبعث من سرّ آلام المسيح وموته وقيامته؟ 13. على كلٍّ، يجب ألاَّ يغرب عن فكرنا أن الوحي يظلّ مطبوعاً بطابع السرّ. لا شك أن يسوع، من خلال حياته كلها، قد كشف لنا عن وجه الآب، ما دام قد جاء إلى الأرض ليعرّفنا بأعماق الله[13]. ومع ذلك فمعرفتنا لهذا الوجه لا تزال مط |